حسين السمنودى يكتب : معادلة الزمكان وغزة ..حين يتقاطع العلم مع الألم، ويتلاشى الزمن أمام الدم


حين تحدّث آينشتاين عن معادلة الزمكان، لم يكن يقصد فقط شرح التفاعل بين المكان والزمان في الكون، بل فتح نافذة لفهم طبيعة الوجود ذاته. لقد دمج بين الزمان والمكان في وحدة واحدة متصلة، أطلق عليها اسم "الزمكان"، ليصبح الزمن بُعدًا رابعًا يُضاف إلى أبعاد الفضاء الثلاثة، فتتشكل صورة جديدة للعالم. في هذه المعادلة، الزمن يمكن أن يتمدد أو يتقلص، والمكان يمكن أن ينحني ويتغير شكله تبعًا للكتل والطاقات الموجودة فيه.
لكن بعيدًا عن المعادلات والنظريات، هناك بقعة على كوكب الأرض تنتمي إلى الزمكان بشكل آخر تمامًا: قطاع غزة.
إن غزة لا تعيش في الزمكان الذي نعرفه. الزمن فيها مشوه، والمكان فيها مبتور. وكأنها لا تنتمي إلى هذا الكون، بل إلى نسيج ممزق، نسيج يعجز حتى العلماء عن قياس تمدده أو احتساب سرعته. في غزة، لا تحتاج إلى معادلات رياضية لتفهم الزمن، بل تحتاج إلى قلب حي ليستوعب كم المعاناة المتراكمة في لحظات لا تنقضي، وأمكنة لا تتسع إلا للموت.
في معادلة آينشتاين، الزمن نسبي، يبطئ كلما اقتربنا من الجاذبية الهائلة. وفي غزة، الزمن لا يبطئ، بل يتوقف تمامًا. اللحظة التي تقع فيها القذيفة لا تمر، وإنما تتكرر. نفس الصوت، نفس الصراخ، نفس الركض، نفس الدم. منذ سنوات طويلة، منذ عشرات العدوانات، والزمن في غزة لا يتحرك. وكأن المدينة واقعة في فخ زمني، في مشهد يتكرر بلا نهاية.
يُولد الطفل في غزة على صوت انفجار، ويكبر على صدى صفارات الإنذار، ويتعلم أسماء الشهداء قبل أن يتقن حروف الأبجدية. فهل هذا هو الزمن؟ أم لعله جرح ممتد على اتساع الحياة؟
في غزة، تمضي ساعات الليل بلا نوم، وساعات النهار بلا أمان. في كل ثانية، هناك من يكتب وصيته، أو يودع أمه، أو يركض بطفله إلى مكان لا مأوى فيه. وفي كل لحظة، هناك زمن يُختطف من بين الأيدي، مستقبل يُنسف قبل أن يُبنى.
أما المكان، فتقول معادلات الزمكان إنه يمكن أن ينحني بتأثير الجاذبية. لكن غزة لا تنحني، بل تُكسر. البيوت ليست بيوتًا، بل أكوام ركام. المستشفيات ليست مراكز شفاء، بل أهداف مشروعة في عقل المعتدي. المساجد، المدارس، الشوارع، كل شيء في غزة مهدد بالاختفاء. كأن المدينة تعيش في هوامش المكان، على أطراف الجغرافيا، محرومة من حقها في الثبات.
في علم الفيزياء، لا وجود لمكان بلا أبعاد. أما في غزة، فهناك أمكنة بلا معالم، أحياء تُمحى في لحظة، خريطة تتغير كل يوم، وسكان يُجبرون على الرحيل من مكان لم يكن يومًا صالحًا للسكن، لكنه كان على الأقل مألوفًا لهم.
حين نحاول تطبيق معادلة الزمكان على غزة، نصطدم بحقيقة مريرة: هذه المعادلة لا تعمل هنا. لأن العنصر الناقص هو "الإنسانية". فكل القوانين التي تحكم الكون تنهار عند بوابات غزة، تمامًا كما تنهار القيم الدولية والمواثيق الأممية.
كيف يمكن أن نفسر بصمت العالم على جريمة مستمرة منذ عقود؟ كيف تلتف الإنسانية حول نفسها كذئب جريح، حين ترى الأطفال يُدفنون أحياء، والمباني تنهار على رؤوس ساكنيها، والطائرات تحوم بحثًا عن ضحية جديدة؟
الاحتلال لا يحتاج إلى جاذبية لينحني له الزمكان، بل إلى صمت دولي ليبسط سطوته، وإلى أعين مغمضة لترتكب المجازر. وفي هذا السياق، تصبح غزة معادلة عكسية لكل ما هو منطقي: فكلما زادت الجرائم، زادت برودة العالم، وكلما ارتفع عدد الشهداء، خفت صوت الاحتجاج.
في الكون، يوجد ما يسمى بـ"الثقب الأسود"، منطقة ينهار فيها الزمكان بالكامل، فلا شيء يخرج منها، لا ضوء ولا صوت. وغزة، في ظل الحصار والدمار والتجاهل، تبدو وكأنها ثقب أسود من نوع آخر: ثقب في قلب الضمير العالمي.
في غزة، يختفي النور بفعل القصف، ويختفي الصوت تحت ركام البيوت. العالم ينظر، لكنه لا يرى. يسمع، لكنه لا يستجيب. ولا يعود أحد من هناك كما كان.
هل هذه معادلة كونية؟ أم لعنة تاريخية؟ أم ببساطة، قسوة بشرية فقدت كل اتصال بالقيم؟ في غزة، لا تحتاج إلى فيزياء لفهم الموت، بل إلى ضمير حي لفهم الحياة.
نحن لا نحتاج إلى عباقرة في الرياضيات ولا إلى فلكيين لتفسير ما يحدث في غزة. نحن نحتاج إلى قلوب تُدرك أن الزمان ليس فقط عقارب ساعة، بل حياة تُسلب، وأحلام تُدفن. نحتاج إلى أمم تُدرك أن المكان ليس مجرد مساحة على الخريطة، بل وطن يُنتزع من بين الأيدي.
نحن بحاجة إلى معادلة جديدة، معادلة تُعيد الزمن لأطفاله، والمكان لأهله، والعدالة إلى ميزانها. نحتاج إلى قانون لا يُكتب في كتب الفيزياء، بل يُنقش في قلوب البشر: غزة تستحق الحياة.