الثلاثاء 1 أبريل 2025 12:12 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الكاتب الصحفي ـ الحسيني عبد الله يكتب: آفة اجتماعية

الكاتب الصحفي الحسينى عبدالله
الكاتب الصحفي الحسينى عبدالله

شهر رمضان المبارك، الذي يُعد شهر التقوى، أصبح يشهد ظواهر سلبية تتنافى مع ما في هذا الشهر الكريم من خصوصية. ومن بين هذه الظواهر السلبية، ظاهرة الإسراف في الأطعمة وما يحدث في سائر المنازل من طهي وطبخ للعديد من المأكولات وإعداد للمشروبات، ثم تناول اليسير منها وإتلاف ما تبقى. لقد جاء الذم القطعي الصريح للترف والإسراف في الطعام والشراب في قوله تعالى: ﴿ يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ [الأعراف: 31].
يأتي الإنفاق على الطعام خلال شهر رمضان على رأس أولويات الأسر المصرية التي تقتطع النسبة الأكبر من دخلها لشراء السلع الغذائية خلال الشهر الفضيل.
وقد نشر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء إنفوجراف عبر صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك بشأن ارتفاع استهلاك الطعام في شهر رمضان العام الماضي 2024 مقارنة بالشهور الأخرى.
وأوضح المركز أنه رغم أن شهر رمضان هو شهر الصيام، فإن استهلاك الطعام خلال الفترة من "الإفطار" إلى "السحور" يتجاوز نمط الاستهلاك الطبيعي.
وترتفع فواتير الطعام بنسبة 50 إلى 100% خلاله، فحسب، بل تشير التقارير إلى أن 83% من الأسر تغيِّر عاداتها الاستهلاكية الغذائية خلال الشهر الكريم، كما أن استهلاك الغذاء في شهر رمضان يشكِّل 15% من الإنفاق السنوي على الغذاء.
هناك دراسات نُشرت في السنوات الأخيرة تؤكد أن الأسر المصرية تنفق 250 مليار جنيه سنويًا على الطعام، بما يمثل 45% من إجمالي إنفاقها السنوي، وشهر رمضان وحده يستأثر بالنصيب الأكبر منها مقارنة بباقي شهور العام، حيث يصل الحجم المتوقع من مبيعات الطعام خلاله إلى 45 مليار جنيه بواقع 1.5 مليار جنيه يوميًا.
كما يرتفع معدل استهلاك اللحوم 3 أضعاف الشهور العادية، ويصل معدل استهلاك الأرز إلى 76 ألف طن، والمكرونة إلى 28 ألف طن، و100 ألف طن حجم الاستهلاك من الحليب، و60 ألف طن من الزبادي.
وأكدت الدراسة أن مصروفات شهر رمضان تعادل تكاليف 90 يومًا عاديًا، وأن 83% من الأسر المصرية تغير عاداتها الغذائية خلال هذا الشهر لتتضاعف النفقات بسبب العزومات والولائم الجماعية بنسبة 23% بالمقارنة بالأشهر العادية.
وتأتي خطورة الإسراف في المأكل والمشرب أنه يعد من الأمراض الاجتماعية والاقتصادية الخطيرة التي تهدد الأمم والشعوب.
ومن طبيعة البشر أنهم إذا شعروا بالثراء واليسار توسَّعوا في النفقات، وبالغوا في الاستهلاك، وأهدروا الأموال، بل لا يعرفون أي معنى لوفرة المال إذا لم يصاحبها استهلاك أكثر، ورفاهية أشمل، وتمتع بالكماليات أوسع. وقد صرح الله جل وعلا بذلك فقال: ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ﴾ [العلق: 6، 7]، وقال: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ ﴾ [الشورى: 27].
والإسراف يُطلق على الإكثار من كل شيء؛ فمَن أسرف على نفسه بالمعاصي حتى وقع في الكفر فهو مُسرف على نفسه، كما قال تعالى عن فرعون: ﴿ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ﴾ [يونس: 83].
ومن الإسراف تجاوز الحد في شراء الأطعمة، وأشدُّ منه أن تُرمى في الأماكن التي لا تليق بها، ﴿ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ [الأنعام: 141].
وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من التنعُّم حتى بالمباحات؛ لأنه مظنة السرف وتضييع المال؛ فقال: ((إيَّاكم والتنعُّم؛ فإنَّ عبادَ الله ليسوا بالمتنعمين))؛ وذلك من أجل الحفاظ على الأموال والموارد التي سيسأل عنها العبد يوم القيامة.
بل إن حفظ المال فيه حفظ للدين والعرض والشرف، وقد قال الحكماء: (من حفظ ماله، فقد حفظ الأكْرَمَيْنِ؛ الدين، والعرض).
إن الشريعة لم تحرم اكتساب الأموال ونماءها والتزود منها، بل حثّت عليها، ولكنها بيّنت الطرق المحرمة في كسبه وإنفاقه.
ومن الطرق المحرمة في إنفاقه الإسراف، وإهداره بغير حق؛ إما في سفر محرم، أو في حفلات باهظة التكاليف يُلقى فائض أطعمتها في النفايات، فليس هذا من حفظ المال، ولا من شكر الله تعالى على نعمته.
لقد تحوَّل الإسراف في عصرنا هذا من سلوك فردي لدى بعض التجار والواجدين إلى ظاهرة عامة تجتاح الأمة كلها؛ فالواجد يُسرف، والذي لا يجد يقترض من أجل أن يسرف، بحجة تلبية متطلبات أسرته من الكماليات، وهذا مما أفرزته الرأسمالية العالمية التي أقنعت الناس بذلك عبر الدعاية والإعلان في وسائل الإعلام المختلفة.
فالرأسمالية ترى أن المحرك الأساسي للإنتاج هو الطلب.