الخميس 3 أبريل 2025 06:18 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

دكتور محمد ابوعلى يكتب عن : العنف في دراما رمضان وانعكاساته على الوعي الجمعي

دكتور محمد ابوعلى
دكتور محمد ابوعلى

رمضان بين المحراب والشاشة:

لطالما كان رمضان — ذلك الضيف الكريم — موسماً للتأمل والروحانية، حيث تتجدد فيه هذه الروحانيات الصافية التي من شأنها تنقية النفس وصفاء الروح .
لكن العصر الحديث، بما أحدثه من انقلابات في سلطة الصورة، جعل من هذا الشهر مسرحاً لأعظم المفارقات:

فبينما ترتقي الأرواح في هذه الأبعاد الروحية ، تغوص العيون في بحار من الدماء والآثام والإجرام والبلطجة تبثها المسلسلات الرمضانية.

فكيف يمكن للإنسان أن يجمع بين طهر الصيام وقبح المشاهد العنيفة؟
وما سر توغل هذه الظاهرة في وعي الناس حتى صارت جزءاً من طقوسهم اليومية ؟

و لماذا نحرص علي أن نشاهد ما يؤذينا؟ ويعكر صفو نفوسنا ، ويقطع هذه العلائق الروحية في رمضان ؟

ليس العنف في الدراما مجرد صورة عابرة، بل هو لعبة نفسية معقدة تستثير أعماق المشاعر الإنسانية.
والإنسان يميل — بغريزته — إلى تتبع المشاهد المثيرة للخوف أو الألم؛ لأنها تحرك فيه شعوراً بالإثارة الجسدية والعقلية، كما تنشط نظام «الكر أو الفرار» في الدماغ، فتشعره بأنه حي يراقب الخطر من مكان آمن.

لكن هذا التحليل البسيط لا يكفي لفهم توغل العنف في دراما رمضان، فهناك أسباب أعمق من هذا التفسير ومنها :

1.العنف كتعويض عن القهر اليومي:

في مجتمعات تزخر بالضغط الاقتصادي والانفصام الاجتماعي - إن جاز التعبير - يصير العنف المصور مهرباً لتلبية رغبات مكبوتة. بمعني أن المشاهد الذي يشعر بالعجز في واقعه، يجد في شخصية «البطل المجرم أوقل رجب الجريتلي وأشباهه » تمثيلاً لقوة مفترضة يتمناها لنفسه.
ومن هنا يعيش المشاهد حالة من أحلام اليقظة التي تدخله في حالة تمني للبطولة وحالة تقمص لنمبر وان وفهد البطل والعمدة جعفر ويا حبذا إذا كان ضعيف الشخصية مع زوجته أن يجد في أدوار مصطفي شعبان الأخيرة مهربا وملاذا آمنا في تحقيق حلم يتمناه في نومه وخياله وهو تعدد الزوجات .
أتمني من كل زوجة أن تتفحص وجه زوجها وهو يشاهد حكيم باشا المتزوج بثلاث ، وستجد تفسيرا مدهشا لهذه الابتسامة العريضة المرسومة علي وجه زوجها وهو يعيش حالة تقمص لمصطفي شعبان .

٢. تعمل المشاهد العنيفة على إفراز «الدوبامين» — هرمون المتعة والسعادة — في الدماغ، مما يخلق إدماناً نفسياً على تكرار المشاهدة. وهذا يفسر لماذا يصاب الأفراد — خصوصاً الشباب — بشهوة غريبة لتتبع الأعمال الدامية، حتى إذا تجاوزت الحدود الأخلاقية.

3.لا يكون العنف في الكثير من الأحيان إلا تعبيراً عن أزمة هوية جماعية. فعندما تفقد المجتمعات التاريخية ، تلجأ إلى تصوير العنف كطريقة للتعبير عن التمرد أو اليأس. وهنا يظهر سؤال جوهري:

ألا يمكن للفن أن يكون مطرقة لبناء الوعي، لا سلاحاً لهدمه؟
ألا يمكن للفن أن يكون مطرقة لبناء الوعي، لا سلاحاً لهدمه؟

وهنا نقف عند نقطة غاية في الأهمية وهي :
مدي تأثير العنف الدرامي علي المشاهدين :

لا يقتصر خطر العنف المصور على مجرد مشاهدته، بل يتعداه إلى تشكيل وعي الجمهور بطرق خفية. فالتعرض المستمر للعنف في الوسائط يؤدي إلى مظاهر سلبية عديدة منها :

أ. يفقد المشاهد قدرته على التمييز بين الخير والشر، فتصبح الجريمة مشهداً عادياً، والقتل مجرد لحظة درامية.

ب. تزايد القبول الاجتماعي للعنف كحل مقترح للمشكلات، مما ينتج أفراداً أكثر عدوانية وأقل تعاطفاً.

ج. صناعة الوهم بالقوة :

فالعنف المصور يرسخ في اللاوعي الجمعي أن الحق لا ينتصر له إلا بالقوة، فتضمحل قيم الحوار والسلم.
وتغيب هيبة المؤسسات الرسمية للدولة ، وتختفي سلطة القانون ، ومن ثم فعلي كل مواطن وقع عليه ظلم أن يتقمص شخصية فهد البطل أو نمبر وان أو العتاولة أو غير هؤلاء من رموز ملوك الجدعنة والبلطجة .

وفي هذا السياق، تصبح دراما رمضان ليست مجرد تسلية، بل منهجاً خفياً لتعليم الوحشية ، وتغييب هيبة الدولة ، وتضييع مقصود لدور المؤسسات .

والسؤال المهم جدا هنا :
هل من سبيل للمقاومة ؟
و كيف نحصن الوعي؟

لا ينبغي أن ننظر إلى هذه الظاهرة بعين اليأس، فقد كانت الإنسانية دائماً قادرة على تحديد مسارها. ولهذا، يجب أن تشمل سبل المقاومة ثلاثة محاور:

1. التنظيم الواعي لصناعة المحتوى:

فعلى صانعي الدراما أن يدركوا أنهم يحملون مسؤولية أخلاقية تجاه المجتمع . وليست المهمة إثارة المشاعر فقط، بل بناء رؤية فنية تحافظ على إنسانية المتلقي.

2. تعزيز الوعي الناقد عند المشاهدين :

فيجب تدريب الجمهور — خصوصاً الأطفال — على فن «المشاهدة الذكية»، حيث يتعلمون تحليل المضمون والتساؤل عن أثره على قيمهم.

3. إعادة صياغة المحتوي وتحديد أهداف وطنية وقومية مضفرة بطريقة إبداعية مع بعض الروايات التي تستحق التصوير
عوضاً عن تكرار دراما العنف .

يجب - من وجهة نظري - استحضار روايات تتناول التعاطف والتضامن، ومحبة الوطن والولاء والانتماء وغير ذلك من قيم نحتاج غرسها في وعي المشاهد لتطرح ثمار عشق الوطن كما فعلت أعمال كبيرة في التراث الإنساني.

إن التحدي الأكبر الذي تواجهه مجتمعاتنا اليوم ليس في كم العنف المصور، بل في قدرتنا على تخيير الناس بين أن يكونوا مجرد مشاهديـن أو فاعلين في صناعة واقع أجمل. فرمضان — بما يحمله من روحانية — يمكن أن يكون فرصة لإعادة توجيه الفن نحو بناء الإنسان، لا هدمه. وهذا يتطلب جهداً جماعياً: فصانع الفن يرفض أن يكون ساحراً للظلام، والمشاهد يرفض أن يكون ضحية لغريزته.

هكذا، ندرك أن معركة الوعي ليست معركة مشاهد عنيفة أو هادئة، بل هي معركة إرادة تصنع من الفن مرآة لأحلام الإنسان .

824f954cca59.jpeg
دكتور محمد ابوعلى مقالات دكتور محمد ابوعلى العنف في دراما رمضان وانعكاساته على الوعي الجمعي الجارديان المصرية