الخميس 3 أبريل 2025 07:15 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

شحاته زكريا يكتب : الدراما.. المرآة التي لا تكذب

الكاتب الكبير شحاتة زكريا
الكاتب الكبير شحاتة زكريا

الفن هو مرآة الشعوب والدراما هي تلك المرآة التي تعكس نبض المجتمع ، فتُظهر ما يعتمل في داخله من أحلام وآمال كما تكشف عيوبه وأوجاعه. وعندما نتحدث عن الدراما المصرية فإننا نتحدث عن صناعة تضرب بجذورها في عمق التاريخ ، تمتلك من الإرث ما يجعلها دائما في المقدمة ومن القدرة على التطور ما يضمن استمرارها رغم التحديات.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه في كل موسم رمضاني: هل الدراما المصرية تسير على الطريق الصحيح أم أنها تائهة بين التقليد والتجريب بين الفن الحقيقي والمحتوى التجاري، بين الرسالة والمتعة؟ هذا السؤال ليس جديدا لكنه يزداد إلحاحًا مع كل موسم يحمل لنا عشرات الأعمال التي تتفاوت بين الإبداع والإسفاف بين العمق والسطحية.

إذا نظرنا إلى الموسم الرمضاني الحالي سنجد أن الدراما المصرية لا تزال تحتفظ بمكانتها الرائدة ، ليس فقط من حيث الكم ولكن أيضا من حيث التنوع. هناك أعمال تطرح قضايا اجتماعية تمس جوهر الواقع ، وهناك تجارب تميل إلى الكوميديا التي تعيد إلينا بريق الضحك الذكي ، وهناك مسلسلات تقتحم مناطق لم تكن الدراما تطرقها من قبل.

لكن وسط هذا التنوع لا يمكن إنكار أن هناك أعمالًا لا تزال تعاني من التكرار سواء في الحبكات أو في الشخصيات مما يجعل بعض المسلسلات تبدو وكأنها إعادة تدوير لأفكار مستهلكة. فما الذي يجعل عملاً دراميًا ينجح ويترسخ في أذهان الجمهور بينما يمر غيره مرور الكرام؟ الإجابة تكمن في عنصرين أساسيين: الصدق والإبداع.

الدراما الناجحة هي التي تمتلك قدرة على ملامسة المشاعر بصدق أن تجعل المشاهد يرى نفسه في الشخصيات أن يشعر أن القصة تمسّه بشكل شخصي. وعندما يفقد العمل هذا الصدق فإنه يتحول إلى مجرد استعراض بصري لا يترك أثرًا. أما الإبداع فهو الذي يفرق بين عمل يضيف شيئًا جديدًا إلى تاريخ الدراما وآخر يذوب في زحام الأعمال المتشابهة.

من الظواهر اللافتة هذا العام أن هناك عودة قوية للكوميديا بعد سنوات عانت فيها من التراجع. الجمهور المصري بطبيعته يميل إلى الضحك حتى في أحلك الظروف ولذلك فإن الأعمال الكوميدية الناجحة دائمًا تجد طريقها إلى قلوب المشاهدين. لكن الكوميديا التي تبقى ليست تلك التي تعتمد على النكات السطحية أو المواقف المفتعلة بل تلك التي تحمل في داخلها نقدًا اجتماعيًا ذكيًا يضحكك بينما يجعلك تفكر.

أيضًا من الظواهر التي تستحق التوقف عندها هذا العام ، هو تنوع أجيال الفنانين المشاركين في الأعمال الدرامية. هناك وجوه جديدة استطاعت أن تثبت موهبتها بقوة وهناك نجوم من جيل الوسط بدأوا في شق طريقهم نحو القمة، وهناك العمالقة الذين لا يزالون قادرين على إبهارنا بأدائهم. هذا المزيج هو ما يجعل الدراما المصرية قادرة على الاستمرار والتجدد، لأنها لا تعتمد على جيل واحد، بل تتطور عبر الأجيال.

لكن رغم كل هذه الإيجابيات لا يمكننا أن نتجاهل حقيقة أن هناك أعمالًا تتعامل مع الدراما وكأنها سلعة تجارية بحتة الهدف منها هو تحقيق أكبر نسبة مشاهدة دون أي اهتمام بجودة المحتوى. هذه النوعية من المسلسلات تعتمد على الإثارة الزائفة، والحوارات المبتذلة، والأحداث غير المنطقية، وهو ما يجعلها تنتهي بانتهاء الموسم دون أن تترك أي بصمة.

الدراما المصرية لا تزال بخير ، لكنها بحاجة إلى إعادة ترتيب أولوياتها. نحن لا نريد فقط مسلسلات تحقق نسب مشاهدة عالية، بل نريد أعمالًا تعيش تُناقش، تُلهم، وتُحدث تأثيرًا حقيقيًا في وجدان المشاهد. لا نريد دراما تهرب من الواقع، بل نريد دراما تواجهه، تحلله، وتطرح أسئلة تجعلنا نفكر.

في النهاية يبقى الفن هو القوة الناعمة التي تستطيع أن تُغير المجتمعات والدراما هي إحدى أهم أدوات هذه القوة. وإذا كنا نؤمن بأن الدراما هي مرآة المجتمع فعلينا أن نحرص على أن تكون هذه المرآة صادقة ناصعة تعكس أجمل ما فينا، وتكشف لنا عيوبنا دون تزييف. لأن المرآة التي تكذب ، في النهاية لن تخدع إلا من ينظر إليها.