الجمعة 4 أبريل 2025 04:36 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د،محمد أبو علي يكتب عن : فهد البطل وتغييب دور مؤسسات الدولة :

دكتور محمد ابوعلى
دكتور محمد ابوعلى

فهد البطل: أسطورة العصر الحديث :
فهد البطل المخلص الجديد :


لو أن هوميروس اليوناني عاد إلى الحياة، ورأى ما صنعته الدراما العربية ببطل الأبطال "فهد"، لكتب ملحمة جديدة تُخلد اسم هذا الأسطورة الجديد!
إنه نمبر وان آخر .
إنه البطل الذي لا يتكرر ..
البطل الذي لا يقهر
المخلص الجديد وفتوة الغلابة وقاهر الفاسدين .

البطل الذي لا يحتاج إلى درعٍ أو سيفٍ أو حكمةٍ أسطورية، بل يكفيه صرخةٌ غاضبة، وقبضةٌ مُحكمة، وقائمةٌ من الألفاظ التي لو سمعتها أمهاتنا وبناتنا لخرجن من مجالسهن خوفاً من أن تُلامس آذانهن كلماتٌ تُناسب عصر "التريندات" أكثر مما تُناسب عصر العقل!

نعم أيها السادة، لقد نجحت الدراما في صنع معجزةٍ حقيقية:
وهي تحويل "فهد" من مجرد شخصيةٍ خيالية إلى صنمٍ يُنادى به في الظلام! فكل مظلومٍ بات يدعو ربه قائلاً: "يا رب ابعث لي فهد البطل لينتقم لي"، وكأن العدالة الأرضية الممثلة في مؤسسات الدولة قررت أن تستقيل من منصبها وتترك الأمر لفهدٍ وأسلوبه الفريد في "الفصل بين الخصوم .

لقد حوّلت الدراما "الهمجية" إلى فنٍ راقٍ :
في الزمن الجميل، كان "الفتوة" يعني شيئاً مختلفاً:
كان الفتوة رجلاً يحمل همّ الحارة، يحل الخلافات بالحكمة، ويُقسّم الخبز على الجياع.
أما الآن، فقد استبدلنا الحكمة بصرخةٍ نابية، والخبز بلكمةٍ في وجه الجائع!
فهد البطل هو الابن الشرعي لتلك الفتوة القديمة، لكن بعد أن التهمتْه ثقافةُ "الترند"، فصار بطلاً يتبارى كُتّاب الدراما في إلباسه كل ما هو قبيحٌ من الألفاظ، وكأنهم يخوضون مسابقةً سرية: من يصنع المشهد الأكثر فظاظةً ليُحقق أعلى نسبة مشاهدات؟

وليس العيب في فهد نفسه، بل فيمن جعلوا من همجيته قدوة! فالبطل الجديد لا يحتاج إلى حوارٍ ذكي، أو قرارٍ عادل، بل يحتاج إلى "مشهد دخول" يصيح فيه بأعلى صوته ، ثم يلقي ببطلٍ آخر أرضاً كي يُثبت أنه "مخلص الضعفاء". وهكذا تُصبح الفضيلة في عصرنا مرتبطةً بمدى قدرة البطل على إثارة الفوضى، وكأنما الأخلاق صارت تُقاس بعدد الصفعات!

مع دراما هذه الأيام المؤسسات تتنحى..
أما السؤال الأهم: أين تختفي الدولة ومؤسساتها عندما يظهر فهد البطل؟
يبدو أن كُتّاب الدراما قرروا أن يُعلنوا وفاة مؤسسات المجتمع رسمياً، وأن يستبدلوها بـ"فهد" الذي يُجيد كل المهام: يحل محل الشرطي، والقاضي، والطبيب، وحتى المُصلح الاجتماعي! فلماذا نُضيع الوقت في محاكماتٍ طويلة، وإجراءاتٍ معقدة، بينما يمكن لفهد أن يحل المشكلة بخمس دقائق من الصراخ والضرب؟

لا عجب أن الجمهور يُصدق أن "فهد البطل" أكثر فاعليةً من كل أجهزة الدولة! فهو لا يطلب أوراقاً ثبوتية، ولا ينتظر مواعيد، ولا يتورط في بيروقراطية. كل ما يحتاجه هو غضبةٌ سريعة، وضربةٌ مصيرية، والمشهد يُختتم بضحكةٍ منتشيةٍ وكأن العالم أصبح مكاناً أفضل!
لكن هل سأل أحدٌ نفسه: ماذا لو تعطلت كبسة الزر التي توقف بها فهد خصومه؟ ألن يتحول المجتمع إلى ساحةٍ للفوضى؟ أم أن الدراما علمتنا أن "البطولة" هي أن نعيش في حالةٍ دائمةٍ من الغيبوبة؟

ولأن "الوعي" عدو البطل الأول، كان لزاماً على فهد أن يُغرق جمهوره في بحرٍ من المخدرات! لا أعني المخدرات الحرفية فحسب، بل تلك التي تُباع في صورة مشاهدَ درامية: عنفٌ مبالغٌ فيه، وحواراتٌ سطحية، وأوهامٌ تُصدّر على أنها حلول. فكلما زادت غرابة الأحداث، وكلما ابتعدت عن المنطق، زاد إقبال الجمهور على متابعتها كأنها "جرعةٌ" هروبية من واقعٍ مؤلم.
نعم جرعات هروبية من الواقع إلي عالم من أحلام اليقظة نتقمص فيه حال البطل المخلص فهد الأسطورة وجعفر العمدة وحكيم باشا .
وهكذا يُصبح فهد البطل وقرناؤه في الأعمال الأخري ليس مجرد شخصيةٍ درامية، بل "مخدراً" جماعياً!
فبدلاً من أن نسأل: كيف نستعين بمؤسسات الدولة في القضاء علي الفاسدين والظالمين ؟ أو قل كيف نوقف الظلم؟ نكتفي بمشاهدة فهد وهو يفعل ذلك نيابةً عنا، ثم ننام وكأننا قد أنجزنا شيئاً عظيماً! وكأن الدراما تقول لنا: لا تنتبهوا إلى تأخر المؤسسات ، ولا تفكروا في الحلول الجذرية لمشاكلكم ، فقط اشتركوا في القناة، وانتظروا الحلقة القادمة حيث سيصفع فهدٌ الشريرَ مجدداً!

ربما كان فهد البطل مرآةً لعصرنا المضحك المبكي. عصرٍ نبحث فيه عن أبطالٍ وهميين لأننا فقدنا إيماننا بالأبطال الحقيقيين. عصرٍ نستبدل فيه القانون باللكمة، والفكر بالشتيمة، والوعي بالمخدر. فهل نلوم الدراما وحدها، أم نعترف أن "فهد البطل" هو ابنٌ شرعيٌ لجمهورٍ يرفض أن يستيقظ من سباته؟
السخرية تكمن في أننا نضحك من غباء الشخصية، ثم ننتظر الحلقة التالية! فطالما بقي الجمهور مُغيباً، سيستمر فهد وأخواته في حصد المشاهدات، وستستمر المؤسسات الحقيقية في الانهيار… حتى يأتي اليوم الذي نكتشف فيه أننا صرنا جميعاً شخصياتٍ في دراما لا تُكتب نهايتها إلا بالكارثة!
أبطال من ورق يا سوسن بصوت ممدوح عبدالعليم .