السيناريست عماد النشار بكتب : مزرعة فراخ العالم !


أكثر من مليارَي مسلم في هذا العالم، يملؤون الأرض صياحًا، لكنهم كالفراخ في مزرعة كبيرة، لا حول لهم ولا قوة. فمنهم من يُذبح، ومنهم من ينتظر دوره في الذبح، ومنهم من يُربّى ليبيض، فيغذّي أطماع الذابحين.
في غزة، حيث الموت مشهد يومي، يُسقط القصف بيوتًا فوق ساكنيها، يحوّل الأطفال إلى أشلاء بين يدي أمهاتهم، يترك الرجال بين نار الذل والرصاص، ولا يتحرك المسلمون إلا بالتنديد والاستنكار. وكأنهم صاروا "كغثاء السيل"، كما وصفهم النبي ﷺ حين قال: "يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها". قيل: أوَ مِن قلة نحن يومئذٍ؟ قال: "بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاءٌ كغثاءِ السيل، ولينزعنّ الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفنّ في قلوبكم الوهن". قيل: وما الوهن؟ قال: "حب الدنيا وكراهية الموت" (رواه أبو داود).
حين يسقط الصاروخ، لا يمنح ساكني البيت فرصةً للصلاة الأخيرة، لا يترك للأم وقتًا تحتضن صغيرها، ولا يمنح الأب فرصة الوصية. تتساقط الجدران كما تتساقط الأحلام، يختلط الدم بالركام، تتطاير الأجساد كأنها أوراق محترقة في مهب النيران. يعلو الغبار وتتناثر الأشلاء، فلا يُعرف رأس من جسد، ولا يد من ساق، ولا أب من ابنه.
ما يحدث في غزة ليس حربًا عادية، بل إبادة جماعية ممنهجة، تطهير عرقي ينفَّذ بأحدث الأسلحة، تحت أنظار عالم يدّعي الدفاع عن القيم الإنسانية. إنها ليست معركة بين جيشين، بل حملة إبادة ضد شعب أعزل، يُقتل بالصواريخ، ويُجوَّع بالحصار، ويُحاصر بالموت من كل الجهات. التاريخ لم يعرف جريمة أكثر وضوحًا من هذه، ومع ذلك، لم يتحرك العالم إلا لحماية القاتل وتبرير جرائمه. وفي الوقت الذي تتفاقم فيه معاناة أهل غزة، لا نغفل عن العربدة الإسرائيلية في سوريا ولبنان واليمن، وزرع بذور الفتن بين الدول العربية، والتي تعد جزءًا من استراتيجية لا تتوقف لزعزعة الاستقرار في المنطقة، وتوسيع نطاق الحروب الأهلية والفرقة بين الأخوة."
في رفح، حيث لجأ من فروا من المجازر في الشمال، يتكرر مشهد النكبة من جديد. يُجبر الناس على الهروب تحت القصف، يُقتلعون من بيوتهم كما تُقتلع الأشجار من جذورها، يُساقون إلى المجهول دون طعام أو ماء. أسرٌ تمشي في العراء، تحمل ما تبقى من حياة، بينما تقصفهم الطائرات، وكأن الغاية أن يُمحى كل أثرٍ لهم، أن يُمحى اسم غزة من على وجه الخريطة. إنها نكبة أخرى، لكنها بلا مفاتيح للعودة، لأنها لا تترك وراءها بيوتًا، بل أنقاضًا وأشلاء.
المشافي تئن، أروقتها مزدحمة بالجرحى، أطباء يحاولون إنقاذ الأرواح بأدوات بائسة، بلا كهرباء، بلا أدوية، بلا مسكنات للألم. طفل يبكي بجانب سرير أمه التي صارت جثة هامدة، ورضيع يبحث عن دفء صدر لم يعد له وجود. فوق ذلك، تحاصرهم المجاعة، لا طعام، لا ماء، لا ملجأ، سوى أطلال باردة وموت معلّق ينتظر دوره.
ما أشبه اليوم بالأمس! ملياران من البشر، لكنهم بلا إرادة ولا شجاعة للوقوف صفًا واحدًا أمام هذا الطوفان من الظلم والعدوان. غزة تُباد، والمسلمون يكتفون بالمشاهدة، وكأن الأمر لا يعنيهم، رغم أن الله تعالى يقول: "وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ" (الأنفال: 72). فأين النصر؟ وأين النُصرة؟ وأين نخوة المسلمين من كل هذه الإهانات، ولا أحد يتحرك. مسلمون يُطردون من بيوتهم، تُحرق مصاحفهم، يُمنعون من الصلاة، وتُكمم أفواههم، بينما العالم يتفرج. تُرتكب المجازر في غزة، بينما آخرون مشغولون بترف الحياة، يقتلون الوقت في اللهو والعبث، وكأن دماء الأطفال مجرد أخبار عابرة في شريط الأخبار. تُنتهك مقدساتهم، وهم يهرولون خلف كرةٍ في ملعب، يتصارعون على شاشات وهمية، يتجادلون في تفاهات، ولا أحد منهم يرفع رأسه ليرى أن تاريخه يُذبح أمام عينيه.
هل رأيتم طفلاً يدفن أباه بيديه الصغيرتين؟ هل سمعتم صرخة أمٍّ وجدت طفلها ممزقًا؟ هل جربتم أن تشعروا بالذنب لأنكم على قيد الحياة بينما يُباد غيركم؟ إن لم نشعر بذلك، فنحن لم نعد بشرًا.
التاريخ لا يرحم المتخاذلين، والمجد لا يُوهب، بل يُنتزع. لم تعد المسألة ترفًا فكريًا أو خطابًا حماسيًا، بل هي معركة وجود. إما أن نكون أمة تستحق الحياة، أو نظل عبيدًا في مزرعة لا يملكها سوى الطغاة. الحرية لا تُوهب، والكرامة لا تُستجدى. إما أن نكون أمة تعرف طريقها، أو نبقى قطيعًا يُساق إلى الذبح.